القاضي عبد الجبار الهمذاني

61

متشابه القرآن

اعلم أن الهدى بمعنى الدلالة كثير في الكتاب ، قال اللّه تعالى في وصف القرآن : هُدىً لِلنَّاسِ « 1 » وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ « 2 » ولا يجوز أن يراد بذلك إلا كونه دلالة وبيانا . وقال تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى « 3 » ولو كان المراد بذلك أنه جعلهم مؤمنين ، لما صح أن يقول : فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى « 4 » وقوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً

--> - أن « الهدى يأتي على سبعة عشر وجها . . ) انظر . تأويل مشكل القرآن ، لابن قتيبة ، بشرح وتحقيق الأستاذ السيد أحمد صقر ، ص 344 . الاتقان للسيوطي : 1 / 241 ، الطبعة الثالثة 1360 بالمطبعة التجارية . ( 1 ) قال تعالى ؛ ( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ . . . ) البقرة : 185 ( 2 ) سورة الأعراف : 203 ، سورة يوسف : 111 ، سورة النحل : 64 . ( 3 ) سورة فصلت : 17 . ( 4 ) صحح الأشعري - دفاعا عن مذهبه في أن الهداية خاصة بالمؤمنين وحدهم ، وأنها حيث وردت في القرآن فلا تعنى سوى خلق الايمان أو القدرة عليه - أن يكون الضمير في : ( فهديناهم ) عائدا على المؤمنين من ثمود وحدهم ، وفي ( فاستحبوا ) عائدا على الكفار منهم ، وقال : « هذا جائز في اللغة التي ورد بها القرآن أن يقول : فهديناهم ، ويعنى المؤمنين من ثمود ويقال : فاستحبوا ، يعنى الكافرين منهم » . كما جهد في تأويل آيات أخر صريحة في الدلالة على أن الهداية فيها وردت بمعنى الدلالة والبيان . ورمى ابن حزم القائلين بمثل هذه التفسيرات بالجهالة ، فقال : « وقال بعض من يتعسف القول بلا علم إن قول اللّه عز وجل : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) ، وقوله تعالى : ( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ ) وقوله تعالى : ( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) إنما أراد تعالى بكل ذلك المؤمنين خاصة » ثم قال : « وهذا باطل من وجهين : أحدهما تخصيص الآيات بلا برهان ، والثاني : أن نص الآيات يمنع من التخصيص ولا بد . . الخ » . وفي رأى أبى محمد رحمه اللّه أن الهدى في اللغة العربية من الأسماء المشتركة . وأنه يكون بمعنى : الدلالة ، ويكون كذلك بمعنى التوفيق والعون على الخير والتيسير له ، وخلقه تعالى لقبول الخير في النفوس . وعنده أن الأول قد أعطاه اللّه للكافر والمؤمن ، وخص بالثاني جماعة المؤمنين وحدهم . ولعل المعتزلة - على كل حال - أن يحملوا ما يدل بظاهره على المعنى الثاني ، على اللطف والدواعي والثواب ونحو ذلك . انظر : الإبانة : 60 - 61 . والملل والنحل : 3 / 43 - 46 .